الطبراني

284

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

فكما أنّ هذه البهائم تسمع الصوت ولا تفهم ولا تعقل ما يقال لها ؛ كذلك الكافر لا ينتفع بوعظ إن أمرته بخير أو زجرته عن شرّ ؛ غير أنه يسمع صوتك . وقال الحسن : ( معناه : مثله فيما أتيتم به حيث يسمعونه ولا يعقلونه كمثل راعي الغنم الذي ينعق بها ، فإذا سمعت الصوت رفعت رأسها فاستمعت إلى الصوت والدعاء ولا تعقل منه شيئا ، ثم تعود بعد ذلك إلى مرعاها ؛ لم تفقه ما ناداها به ) . وقال قوم : معنى الآية : مثل الكفار في دعائهم الأصنام وعبادتهم الأوثان كمثل الرجل يصيح في جوف الجبال ، فيجيبه فيها صوت يقال لها الصّدى ؛ يجيبه ولا ينفعه . قوله تعالى : ( إِلَّا دُعاءً وَنِداءً ) . وقيل : إنّ الدعاء والنداء واحد كما أن الحلال والطّيب واحد . وقيل : الدعاء ما يكون للقريب ، والنداء إنما يكون مدّ الصوت للبعيد . قوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 171 ) ؛ أي هم صمّ عن الخير لا يسمعون الحقّ ؛ والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل بما يسمعه : كأنه أصمّ . وقوله تعالى : ( بُكْمٌ ) أي خرس لا يتكلمون بخير ، ( عُمْيٌ ) لا يبصرون الهدى فهم لا يعقلون ما يؤمرون به . قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ؛ أي من حلال ما رزقناكم من الحرث والأنعام وسائر المأكولات ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ إنّ اللّه سبحانه وتعالى طيّب لا يقبل إلّا الطّيّب ، وإنّ اللّه تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ؛ فقال : يا أيّها الرّسل كلوا من الطّيّبات ، وقال : يا أيّها الّذين آمنوا كلوا من طيّبات ما رزقناكم ] « 1 » . قوله تعالى : وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 ) ؛ أي واشكروا للّه على ما رزقكم وأباح لكم من النعم إن كنتم إيّاه تعبدون ؛ أي إن كنتم تقرّون أنه إلهكم ورازقكم ، وهذا أمر إباحة وتخيير ؛ أعني قوله تعالى : ( كُلُوا ) لأن تناول المشتهى لا يدخل في التعبد ؛ وقد يكون الأكل تعبّدا في بعض الأحوال عند دفع ضرر النفس أو تقويتها على الطاعة ، وعند مساعدة الضيف إذا امتنع عن الأكل .

--> ( 1 ) في الدر المنثور : ج 1 ص 406 ؛ قال السيوطي : « أخرجه أحمد ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن أبي هريرة » . ( 1 ) طه / 69 .